صديق الحسيني القنوجي البخاري
307
فتح البيان في مقاصد القرآن
إستبرق إلا ابن محيصن فإنه قرأ بعدم صرفه قاله لأنه أعجمي ، ولا وجه لهذا لأنه نكرة إلا إن يقول أنه علم لهذا الجنس من الثياب ، والسندس ترق من الديباج ، والإستبرق ما غلظ منه ، وقد تقدم تفسيرهما في سورة الكهف . وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ عطف على يطوف عليهم ماض لفظا مستقبل معنى وأبرزه بالماضي لتحققه . ذكر سبحانه هنا أنهم يحلون بأساور الفضة ، وفي سورة فاطر يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ [ الكهف : 31 ] وفي سورة الحج يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً [ الحج : 23 ] . ولا تعارض بين هذه الآيات لإمكان الجمع بأن تجعل لهم سوارات من ذهب وفضة ولؤلؤ لتجتمع لهم محاسن الجنة أو بأن المراد لهم يلبسون سوارات الذهب تارة ، وسوارات الفضة تارة ، وسوارات اللؤلؤ تارة ، وأنه يلبس كل أحد منه ما تميل إليه نفسه من ذلك أو حلي الرجال الفضة وحلي النساء الذهب ، وقيل أسورة الفضة إنما تكون للولدان ، وأسورة الذهب للنسوان ، وقيل هذا بحسب الأوقات والأعمال . وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً هذا نوع آخر من الشراب الذي يمن اللّه عليهم به يفوق على النوعين المتقدمين ، ولذلك أسند سقياه إلى اللّه ووصفه بالطهورية فإنه يطهر شاربه عن الميل إلى اللذات الحسية ، والركون إلى ما سوى الحق فيتجرد لمطالعة جماله ، متلذذا بلقائه باقيا ببقائه ، وهو منتهى درجات الصديقين . قال الفراء يقول هو طهور ليس بنجس كما كان في الدنيا موصوفا بالنجاسة أي لم تمسه الأيدي ولم تدنسه الأرجل ، وقيل لا يستحيل بولا ، وطهور صيغة مبالغة في الطهارة والنظافة . والمعنى أن ذلك الشراب طاهر ليس كخمر الدنيا ، فشتان ما بين الشرابين والآنيتين والمنزلتين ، قال مقاتل هو عين ماء على باب الجنة من شرب منها نزع اللّه ما كان في قلبه من غش وغل وحسد . قال أبو قلابة وإبراهيم والنخعي يؤتون بالطعام فإذا كان آخره أتوا بالشراب الطهور فيشربون فتضمر بطونهم من ذلك ويفيض عرق من أبدانهم مثل ريح المسك ثم يقال لهم بعد دخولهم في الجنة ومشاهدتهم نعيمها . إِنَّ هذا الذي ذكر من أنواع النعم كانَ في علم اللّه لَكُمْ جَزاءً بأعمالكم أي ثوابا لها أعده لكم إلى هذا الوقت وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً أي كان عملكم في الدنيا بطاعة اللّه مرضيا مقبولا مقابلا بالثواب ، وشكر اللّه سبحانه لعمل عبده هو قبوله لطاعته .